ابن أبي الحديد
46
شرح نهج البلاغة
الطعن السابع : أنه جمع الناس على قراءة زيد بن ثابت خاصة ، وأحرق المصاحف ، وأبطل ما لا شك أنه نزل من القرآن ، وأنه مأخوذ عن الرسول صلى الله عليه ، ولو كان ذلك مما يسوغ لسبق إليه رسول الله صلى الله عليه ، ولفعله أبو بكر وعمر . قال قاضى القضاة : وجوابنا عن ذلك أن الوجه في جمع القرآن على قراءة واحدة تحصين القرآن وضبطه ، وقطع المنازعة والاختلاف فيه . قولهم : لو كان ذلك واجبا لفعله الرسول صلى الله عليه غير لازم ، لان الامام إذا فعله صار كأن الرسول صلى الله عليه وسلم فعله ، ولان الأحوال في ذلك تختلف ، وقد روى أن عمر كان عزم على ذلك فمات دونه . وليس لأحد أن يقول : إن إحراقه المصاحف استخفاف بالدين ، وذلك لأنه إذا جاز من الرسول صلى الله عليه وسلم أن يخرب المسجد الذي بنى ضرارا وكفرا ، فغير ممتنع إحراق المصاحف . * * * اعترض المرتضى رحمه الله تعالى هذا الكلام ، فقال : إن اختلاف الناس في القراءة ليس بموجب لما صنعه ، لأنهم يروون أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( نزل القرآن على سبعة أحرف ، كلها شاف كاف ) ، فهذا الاختلاف عندهم في القرآن مباح مسند عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، فكيف يحظر عليهم عثمان من التوسع في الحروف ما هو مباح ! فلو كان في القراءة الواحدة تحصين القرآن كما ادعى ، لما أباح النبي صلى الله عليه وسلم في الأصل إلا القراءة الواحدة ، لأنه أعلم بوجوه المصالح من جميع أمته ، من حيث كان مؤيدا بالوحي ، موفقا في كل ما يأتي ويذر . وليس له أن يقول : حدث من الاختلاف في أيام عثمان ما لم يكن في أيام الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولا ما أباحه ، وذلك لان الامر